الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
423
مختصر الامثل
الاستعانة بالعواطف والمشاعر الإنسانية : كانت الآية السابقة تطالب المؤمنين بالجهاد معتمدة على إيمانهم باللَّه واليوم الآخر ، وقد اعتمدت أيضاً قضية الربح والخسارة في سياق دعوتها إلى الجهاد ، أمّا هذه الآية فتستند في دعوتها الجهادية إلى العواطف والمشاعر الإنسانية وتستثيرها في هذا الاتجاه - فهي تخاطب مشاعر المؤمنين وعواطفهم بعرض ما يتحمله الرجال والنساء والأطفال المضطهدون من عذاب وظلم بين مخالب الطغاة الجبارين ، وتطالب المؤمنين - مستثيرة عواطفهم في هذا الاتجاه - عن طريق عرض المشاهد المأساوية التي يعاني منها المستضعفون وتدعوهم إلى الجهاد في سبيل اللَّه من أجل إنقاذ هؤلاء المظلومين فتقول الآية : « وَمَا لَكُمْ لَاتُقَاتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ » « 1 » . ولأجل إثارة المشاعر أكثر ، تنبّه الآية المؤمنين بأنّ المستضعفين المذكورين لكثرة معاناتهم من البطش والارهاب والاضطهاد قد انقطع أملهم في النجاة ويئسوا من كل عون خارجي ، فأخذوا يدعون اللَّه لإخراجهم من ذلك المحيط الرهيب المشحون بأنواع البطش والرعب والظلم الفاحش : « الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا » . ويطلب المستضعفون من اللَّه - أيضاً - أن يرسل لهم من يتولى الدفاع عنهم وينجيهم من الظالمين بقولهم : « وَاجْعَلْ لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا » . الآية تشير إلى أنّ اللَّه قد استجاب دعاء المستضعفين ، فهذه الرسالة الإنسانية الكبرى قد أوكلت إليكم أنتم أيّها المسلمون المخاطبون . الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ( 76 ) لقد أوضحت الآيات السابقة قضية الجهاد ، وأبرزت عناصره والمخاطبين به ودوافعه ، وفي هذه الآية نلاحظ أنّها تحث المجاهدين على القتال ، وتبيّن أهدافهم ، مؤكّدة أنّهم يقاتلون في سبيل اللَّه ولمصلحة عباد اللَّه ، وأنّ الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت المتجبر : « الَّذِينَ
--> ( 1 ) إنّ الفرق بين المستضعف والضعيف واضح وجلي ، فالضعيف هو من كان معدوم القدرة والقوّة ، والمستضعف هو من أصابه الضعف بسبب ظلم وجور الآخرين ، سواء كان الاستضعاف فكرياً أم ثقافياً أم كان أخلاقياً أو اقتصادياً أم سياسياً أم اجتماعياً ، فالعبارة هنا جامعة شاملة تستوعب جميع أنواع الاستضعاف .